القاضي عبد الجبار الهمذاني
382
شرح الأصول الخمسة
إلينا الرسل ليعرفونا ذلك من حال هذه الأفعال ، فيكونوا قد جاءوا بتقرير ما قد ركبه اللّه تعالى في عقولنا ، وتفصيل ما قد تقرر فيها ، وصار الحال في ذلك كالحال في الأطباء إذا قالوا إن هذا البقل ينفع وذلك يضر وكنا قد علمنا قبل ذلك أن دفع الضرر عن النفس واجب ، وجر النفع إلى النفس حسن ، فكما لا يكون والحال ما قلناه قد أتوا بشيء مخالف للعقل ، فكذلك حال هؤلاء الرسل . يبين ما ذكرناه ، أن اختلاف الطريق لا يقدح في حصول ما يكون طريقا إليه ، فسواء علمنا عقلا أن هذا الفعل مصلحة وذلك مفسدة ، أو علمناه سمعا ، فإنا في الحالين جميعا نعلم وجوب هذا وقبح ذلك . يزيد ما ذكرناه وضوحا ، أنه إذا كان تقرر في عقولنا وجوب دفع الضرر عن النفس معلوما كان أو مظلوما ، ثم أخبرنا مخبر بأن في الطريق سبعا ، فإنا نعلم وجوب الاجتناب من سلوك ذلك الطريق ، ثم لا يقال أنه إذ أتي بما في العقل ففي العقل كفاية عنه ، وإن أتي بخلافه فيجب الرد عليه ، فكذلك الحال في ما أتى به الرسل ، فبطل ما قالوه أولا . وأما ما ذكروه ثانيا ، من أن هذه الأفاعيل كلها قبيحة في العقل فأبعد ، لأنا قد ذكرنا أن مجرد الفعل لا يمكن أن يحكم عليه بالقبح والحسن ، حتى لو سألنا سائل عن القيام هل يقبح أم لا ، فإنه مما لا يمكننا إطلاق القول في الجواب عن ذلك ، والواجب أن نقيد فنقول : إن حصل فيه غرض وتعرى عن سائر وجوه القبح حسن ، وإلا كان قبيحا هذا وإذا كان ، هكذا وكنا قد علمنا بقول الرسول المصدق بالمعجز أن لنا في هذه الأفعال مصالح وألطافا فكيف يجوز أن يحكم فيها بالقبح ، يبين ذلك ويوضحه ، أنا نستحسن القيام في كثير من الحالات نحو أن يكون تعظيما لصديق أو يتضمن غرضا من الأغراض ، وكذلك القعود إذا تضمن انتظار الرفيق ، وكذلك الركوع والسجود والمشي والكلام والطواف وغير ذلك ، فما من شيء من هذه الأفاعيل إلا ولها وجه في الحسن إذا تعلق به أدنى غرض ، فإذا كان يحسن منا الطواف حول البيت لننظر هل اشترم أم لا ، وهذا غرض حقير ، فكيف لا يحسن الطواف حول بيت اللّه تعالى وقد تضمن من المصلحة واللطف ما قد قامت به الدلالة ، وهكذا فإذا كنا نرمي صيدا مع أن النفع فيه يسير ، ثم تستحسن الهرولة إليه كيلا ينفلت فكيف لا تستحسن في أعمال الحج ؟ وقد علم اللّه فيها من المصالح ما قد أظهره على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلّم . فدل على أن ما قالوه في هذا الباب مما لا وجه له . وليس لأحد أن يقول : كان